عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
14
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
فدعوت ربّي بالسّلامة جاهدا * ليصحّني فإذا السّلامة داء * ( فَتَوَلَّوْا عَنْه مُدْبِرِينَ ) * هاربين مخافة العدوي . فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ ( 91 ) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ( 92 ) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ ( 93 ) * ( فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ ) * فذهب إليها في خفية من روغة الثعلب وأصله الميل بحيلة . * ( فَقالَ ) * أي للأصنام استهزاء . * ( أَلا تَأْكُلُونَ ) * يعني الطعام الذي كان عندهم . * ( ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ) * بجوابي . * ( فَراغَ عَلَيْهِمْ ) * فمال عليهم مستخفيا ، والتعدية بعلى للاستعلاء وإن الميل لمكروه . * ( ضَرْباً بِالْيَمِينِ ) * مصدر « لراغ عليهم » لأنه في معنى ضربهم ، أو لمضمر تقديره فراغ عليهم يضربهم وتقييده باليمين للدلالة على قوته فإن قوة الآلة تستدعي قوة الفعل ، وقيل * ( بِالْيَمِينِ ) * بسبب الحلف وهو قوله : * ( تَاللَّه لأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ ) * . فَأَقْبَلُوا إِلَيْه يَزِفُّونَ ( 94 ) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ( 95 ) واللَّه خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ ( 96 ) * ( فَأَقْبَلُوا إِلَيْه ) * إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد ما رجعوا فرأوا أصنامهم مكسرة وبحثوا عن كاسرها فظنوا أنه هو كما شرحه في قوله : * ( مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا ) * الآية . * ( يَزِفُّونَ ) * يسرعون من زفيف النعام . وقرى حمزة على بناء المفعول من أزفه أي يحملون على الزفيف . وقرئ « يزفون » أي يزف بعضهم بعضا ، و « يزفون » من وزف يزف إذا أسرع و « يزفون » من زفاه إذا حداه كأن بعضهم يزفو بعضا لتسارعهم إليه * ( قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ) * ما تنحتونه من الأصنام . * ( وَاللَّه خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ ) * أي وما تعملونه فإن جوهرها بخلقه وشكلها وإن كان بفعلهم ، ولذلك جعل من أعمالهم فبإقداره إياهم عليه وخلقه ما يتوقف عليه فعلهم من الدواعي والعدد ، أو عملكم بمعنى معمولكم ليطابق ما تنحتون ، أو أنه بمعنى الحدث فإن فعلهم إذا كان بخلق اللَّه تعالى فيهم كان مفعولهم المتوقف على فعلهم أولى بذلك ، وبهذا المعنى تمسك أصحابنا على خلق الأعمال ولهم أن يرجحوه على الأولين لما فيهما من حذف أو مجاز . قالُوا ابْنُوا لَه بُنْياناً فَأَلْقُوه فِي الْجَحِيمِ ( 97 ) فَأَرادُوا بِه كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الأَسْفَلِينَ ( 98 ) * ( قالُوا ابْنُوا لَه بُنْياناً فَأَلْقُوه فِي الْجَحِيمِ ) * في النار الشديدة من الجحمة وهي شدة التأجج ، واللام بدل الإضافة أي جحيم ذلك البنيان . * ( فَأَرادُوا بِه كَيْداً ) * فإنه لما قهرهم بالحجة قصدوا تعذيبه بذلك لئلا يظهر للعامة عجزهم . * ( فَجَعَلْناهُمُ الأَسْفَلِينَ ) * الأذلين بإبطال كيدهم وجعله برهانا نيرا على علو شأنه ، حيث جعل النار عليه بردا وسلاما . وقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 99 ) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ( 100 ) فَبَشَّرْناه بِغُلامٍ حَلِيمٍ ( 101 ) * ( وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي ) * إلى حيث أمرني ربي وهو الشام ، أو حيث أتجرد فيه لعبادته . * ( سَيَهْدِينِ ) * إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى مقصدي ، وإنما بت القول لسبق وعده أو لفرط توكله ، أو البناء على عادته معه ولم يكن كذلك حال موسى عليه الصلاة والسلام حين * ( قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ) * فلذلك ذكر بصيغة التوقع . * ( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) * بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة ، يعني الولد لأن لفظ الهبة غالب فيه ولقوله :